ابن سعد
58
الطبقات الكبرى ( دار الكتب العلمية )
بِنَفْسِي . فَكَانَ يُقَالُ لِعَبْدِ بْنِ قُصَيٍّ عَبْدُ قُصَيٍّ . وَاللَّذَيْنِ سَمَّاهُمَا بَإِلَهِهِ عَبْدُ مَنَافٍ وَعَبْدُ الْعُزَّى . وَبِدَارِهِ عَبْدُ الدَّارِ . قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الأَسْلَمِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الزُّهْرِيُّ قَالَ : وَجَدْتُ فِي كِتَابِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ : وَأَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكَلْبِيُّ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالا : كَانَ قُصَيُّ بْنُ كِلابٍ أَوَّلَ وَلَدِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ . أَصَابَ مُلْكًا أَطَاعَ لَهُ بِهِ قَوْمُهُ . فَكَانَ شَرِيفَ أَهْلِ مَكَّةَ لا يُنَازَعُ فِيهَا . فَابْتَنَى دَارَ النَّدْوَةِ وَجَعَلَ بَابَهَا إِلَى الْبَيْتِ . فَفِيهَا كَانَ يَكُونُ أَمْرُ قُرَيْشٍ كُلُّهُ وَمَا أَرَادُوا مِنْ نِكَاحٍ أَوْ حَرْبٍ أَوْ مَشُورَةٍ فِيمَا يَنُوبُهُمْ . حَتَّى إِنْ كَانَتِ الْجَارِيَةُ تَبْلُغُ أَنْ تُدَرَّعَ فَمَا يُشَقُّ دِرْعُهَا إِلا فِيهَا . ثُمَّ يُنْطَلَقُ بِهَا إِلَى أَهْلِهَا . وَلا يَعْقِدُونَ لِوَاءَ حَرْبٍ لَهُمْ وَلا مِنْ قَوْمٍ غَيْرِهِمْ إِلا فِي دَارِ النَّدْوَةِ . يَعْقِدُهُ لَهُمْ قُصَيٌّ . وَلا يُعْذَرُ لَهُمْ غُلامٌ إِلا فِي دَارِ النَّدْوَةِ . وَلا تَخْرُجُ عِيرٌ مِنْ قُرَيْشٍ فَيَرْحَلُونَ إِلا مِنْهَا . وَلا يَقْدَمُونَ إِلا نَزَلُوا فِيهَا تَشْرِيفًا لَهُ وَتَيَمُّنًا بِرَأْيِهِ وَمَعْرِفَةً بِفَضْلِهِ . وَيَتَّبِعُونَ أَمْرَهُ كَالدِّينِ الْمُتَّبَعِ لا يُعْمَلُ بِغَيْرِهِ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدِ مَوْتِهِ . وَكَانَتْ إِلَيْهِ الْحِجَابَةُ وَالسِّقَايَةُ وَالرِّفَادَةُ وَاللِّوَاءُ وَالنَّدْوَةُ وَحُكْمُ مَكَّةَ كُلُّهُ . وَكَانَ يَعْشِرُ مَنْ دَخَلَ مَكَّةَ سِوَى أَهْلِهَا . قَالَ : وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ دَارَ النَّدْوَةِ لأَنَّ قُرَيْشًا كَانُوا يَنْتَدُونَ فِيهَا . أَيْ يجتمعون للخير والشر . والندي : مجمع القوم إذ اجْتَمَعُوا . وَقَطَعَ قُصَيٌّ مَكَّةَ رِبَاعًا بَيْنَ قَوْمِهِ . فَأَنْزَلَ كُلَّ قَوْمٍ مِنْ قُرَيْشٍ مَنَازِلَهُمُ الَّتِي أَصْبَحُوا فِيهَا الْيَوْمَ . وَضَاقَ الْبَلَدُ وَكَانَ كَثِيرُ الشَّجَرِ الْعِضَاهِ وَالسَّلَمِ . فَهَابَتْ قُرَيْشٌ قَطْعَ ذَلِكَ فِي الْحَرَمِ . فَأَمَرَهُمْ قُصَيٌّ بِقَطْعِهِ . وَقَالَ : إِنَّمَا تَقْطَعُونَهُ لِمَنَازِلِكُمْ وَلِخُطَطِكُمْ . بَهْلَةُ اللَّهِ عَلَى مَنْ أَرَادَ فَسَادًا ! وَقَطَعَ هُوَ بِيَدِهِ وَأَعْوَانُهُ فَقَطَعَتْ حِينَئِذٍ قُرَيْشٌ وَسَمَّتْهُ مُجَمِّعًا لِمَا جَمَعَ مِنْ أَمْرِهَا . وَتَيَمَّنَتْ بِهِ وَبِأَمْرِهِ . وَشَرَّفَتْهُ قُرَيْشٌ وَمَلَّكَتْهُ . وَأَدْخَلَ قُصَيٌّ بُطُونَ قُرَيْشٍ كُلَّهَا الأَبْطَحَ . فَسُمُّوا قُرَيْشَ الْبِطَاحِ . وَأَقَامَ بَنُو مَعِيصِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ . وَبَنُو تَيْمٍ الأَدْرَمِ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ . وَبَنُو مُحَارِبِ بْنِ فِهْرٍ . وَبَنُو الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ . بِظَهْرِ مَكَّةَ . فَهَؤُلاءِ الظَّوَاهِرُ لأَنَّهُمْ لَمْ يَهْبِطُوا مَعَ قُصَيٍّ إِلَى الأَبْطَحِ . إِلا أَنَّ رَهْطَ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ . وَهُمْ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ . نَزَلُوا الأَبْطَحَ فَهُمْ مَعَ الْمُطَيَّبِينَ أَهْلِ الْبِطَاحِ . وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ فِي ذَلِكَ وَهُوَ ذَكْوَانُ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لِلضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ الْفِهْرِيِّ حِينَ ضَرَبَهُ : فَلَوْ شَهِدَتْنِي مِنْ قُرَيْشٍ عِصَابَةٌ . . . قُرَيْشُ الْبِطَاحِ لا قُرَيْشُ الظَّوَاهِرِ